من الاستجابة الإنسانية إلى التنمية المستدامة
كيف تطورت تدخلات غراس الخير لتواكب احتياجات سوريا في مرحلة التعافي؟
على امتداد سنوات الثورة السورية، فرض الواقع الإنساني تحديات استثنائية استوجبت استجابات عاجلة لتلبية الاحتياجات الأساسية لملايين المتضررين. وفي ظل موجات النزوح، وتدهور الظروف المعيشية، وازدياد أعداد الأسر التي فقدت مصادر دخلها، برزت الحاجة إلى تدخلات إنسانية سريعة تحفظ كرامة الإنسان وتخفف من معاناته.
ومنذ انطلاق مسيرتها، عملت جمعية غراس الخير الإنسانية على أن تكون جزءًا من هذه الاستجابة، واضعةً الإنسان في صميم رسالتها، وساعيةً للوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا أينما وجدت. فركزت تدخلاتها خلال تلك المرحلة على المشاريع الإغاثية والإنسانية التي تلبي الاحتياجات الأساسية للأسر، من خلال برامج الأمن الغذائي، ودعم المخيمات، وتوفير المأوى، والرعاية الصحية، والكفالات، والمساعدات الموسمية، إضافة إلى التدخلات الطارئة التي استجابت للظروف الاستثنائية التي شهدتها البلاد.
وقد شكلت هذه المشاريع خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، وأسهمت في دعم مئات آلاف الأسر، والتخفيف من آثار النزوح والفقر، والمحافظة على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة في أصعب الظروف.

مرحلة جديدة… واحتياجات جديدة
ومع دخول العديد من المناطق السورية مرحلة أكثر استقرارًا، بدأت طبيعة الاحتياجات تتغير تدريجيًا. فاليوم، ومع طي صفحة الحرب والعبور نحو عهد جديد من الاستقرار لم يعد التحدي يقتصر على توفير الغذاء أو المساعدات الطارئة، بل أصبح يتمثل في إعادة تأهيل المرافق الخدمية، وتحسين البنية التحتية، وتهيئة الظروف التي تساعد المجتمعات على استعادة حياتها الطبيعية.
فالمدارس التي تضررت خلال سنوات الحرب تحتاج إلى إعادة تأهيل، والمرافق العامة تحتاج إلى إعادة تشغيل، والأطفال بحاجة إلى بيئة تعليمية آمنة، والمجتمعات المحلية باتت تتطلع إلى مشاريع تحقق أثرًا طويل الأمد، لا يقتصر على تلبية الحاجة الآنية فحسب.
ومن هنا، برز مفهوم التعافي المبكر والتنمية المستدامة باعتباره مرحلة مكملة للعمل الإنساني، تنقل المجتمعات من الاعتماد على المساعدات إلى استعادة قدرتها على الإنتاج والاستقرار.

مسيرة بدأت قبل الترخيص في سوريا
بدأت جمعية غراس الخير الإنسانية مسيرتها في العمل الإنساني في سوريا منذ عام 2014، بعد ترخيصها رسميًّا في الجمهورية التركية، حيث نفذت على مدار سنوات الأزمة مئات المشاريع الإغاثية والإنسانية التي استهدفت الأسر المتضررة والنازحين في مختلف المناطق.
وخلال تلك المرحلة، ركزت تدخلات الجمعية على الاستجابة الإنسانية العاجلة، من خلال تنفيذ مشاريع الأمن الغذائي، والمأوى، والرعاية الصحية، والكفالات، والمساعدات الموسمية، إلى جانب دعم المخيمات والاستجابة للحالات الطارئة، بما أسهم في التخفيف من آثار الأزمة وتعزيز صمود المجتمعات الأكثر احتياجًا.
ومع تطور احتياجات المجتمع السوري ودخول العديد من المناطق مرحلة التعافي، واصلت الجمعية تطوير برامجها وتوسيع نطاق تدخلاتها، إلى أن حصلت على الترخيص الرسمي من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا بقرار رقم 390 بتاريخ 13 شباط 2025، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل المؤسسي والتنمية المستدامة.

التحول المؤسسي في مسيرة غراس الخير
شكّل حصول جمعية غراس الخير الإنسانية على الترخيص الرسمي للعمل داخل سوريا
بتاريخ 13 شباط 2025 محطة مفصلية في مسيرتها المؤسسية، إذ أتاح للجمعية توسيع نطاق تدخلاتها، وتعزيز حضورها داخل سوريا، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ولم يكن هذا التحول تغييرًا في رسالة الجمعية، بل تطورًا طبيعيًا في أدواتها وأساليب عملها، استجابةً لاحتياجات المجتمعات التي انتقلت من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء.
فإلى جانب استمرار تنفيذ البرامج الإنسانية والإغاثية عند الحاجة، بدأت الجمعية بتطوير مشاريع تنموية تركز على الاستدامة، وتسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز قدرة المجتمعات على النهوض من جديد.

من الإغاثة إلى التنمية المتكاملة
ومع هذا التحول، شهدت طبيعة تدخلات الجمعية تطورًا نوعيًا، حيث انتقلت من التركيز على الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى تنفيذ مشاريع تنموية أكثر استدامة، تسهم في تعزيز استقرار المجتمعات وإعادة تأهيل مقومات الحياة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، أعادت الجمعية تنظيم تدخلاتها ضمن ثلاث مجالات عمل رئيسية، تعكس أولويات مرحلة التعافي وإعادة البناء، وهي:
التعليم والتمكين
إيمانًا بأن التعليم هو الأساس في بناء المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة في سوريا، أولت جمعية غراس الخير الإنسانية هذا القطاع اهتمامًا كبيرًا، من خلال تنفيذ مشاريع نوعية هدفت إلى دعم العملية التعليمية وإعادة تأهيل البنية التحتية للمدارس
ومن أبرز هذه المشاريع مشروع إعادة تأهيل 39 مدرسة متضررة في محافظتي حلب وحمص، والذي شمل أعمال الترميم والصيانة، وإعادة تأهيل الغرف الصفية، وإنشاء وصيانة دورات المياه، وتحسين المرافق التعليمية، إلى جانب تزويد عدد من المدارس بمنظومات الطاقة الشمسية لضمان استمرارية العملية التعليمية وتوفير بيئة تعليمية أكثر استقرارًا.
كما نفذت الجمعية مشاريع توزيع الحقائب المدرسية والقرطاسية، وتجهيز المدارس بالأثاث المدرسي، ودعم الطلاب، وتنفيذ حلقات تحفيظ القرآن الكريم، بما أسهم في تهيئة بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، تساعد آلاف الأطفال على مواصلة تعليمهم في ظروف أفضل.


الخدمات الاجتماعية
وفي إطار رسالتها في العمل الإنساني في سوريا، تواصل الجمعية تنفيذ برامج اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا، وتسهم في تعزيز الحماية المجتمعية ودعم الأسر المتضررة.
ومن أبرز هذه البرامج مشروع كفالة نحو 900 يتيم لمدة عام كامل، والذي لا يقتصر على تقديم الكفالة الشهرية، بل يشمل متابعة تعليم الأطفال، وتنفيذ الأنشطة الترفيهية والدعم النفسي والاجتماعي، وتوزيع الحقائب المدرسية، وكسوة الأعياد، والعيديات، بما يعزز ثقة الأطفال بأنفسهم ويدعم اندماجهم في المجتمع.
كما تنفذ الجمعية برنامج الإرشاد الأسري لدعم أمهات الأيتام وتمكينهن من بناء بيئة أسرية أكثر استقرارًا، إلى جانب تقديم المساعدات النقدية، والاستجابة للحالات الإنسانية الطارئة، وتنفيذ حملات توزيع الألبسة والمواد الأساسية للأسر الأكثر احتياجًا.


التنمية والإسكان
ومع دخول سوريا مرحلة التعافي المبكر، وسعت الجمعية تدخلاتها في مجال التنمية والإسكان، من خلال تنفيذ مشاريع تسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الواقع الخدمي في المجتمعات المتضررة.
وشملت هذه التدخلات إعادة تأهيل المباني والمرافق العامة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنفيذ مشاريع المياه والإصحاح البيئي، إلى جانب مشاريع ترميم المنازل ودعم المرافق المجتمعية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحسين جودة الحياة للأسر المستفيدة.
وتأتي هذه المشاريع ضمن رؤية الجمعية للمساهمة في إعادة الإعمار، وتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة تواكب احتياجات المرحلة، وتساعد المجتمعات على استعادة قدرتها على النهوض وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.


نحو أثرٍ مستدام
وتواصل جمعية غراس الخير الإنسانية، بصفتها إحدى الجمعيات الإنسانية في سوريا، تطوير برامجها ومشاريعها بما يواكب احتياجات المرحلة، ويعزز دورها في العمل الإنساني في سوريا، من خلال الجمع بين الاستجابة العاجلة، والتنمية المستدامة، ومشاريع التعافي المبكر، بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على النهوض واستعادة الحياة.
التنمية… استثمار في المستقبل
إن التنمية المستدامة لا تعني التخلي عن العمل الإنساني، بل تمثل امتدادًا له. فبينما تستجيب الإغاثة للاحتياجات العاجلة، تعمل التنمية على معالجة التحديات من جذورها، عبر إنشاء مشاريع يبقى أثرها لسنوات، وتوفر حلولًا أكثر استدامة للمجتمعات.
فالمدرسة التي تُعاد تأهيلها اليوم، لا تخدم طلاب هذا العام فقط، بل ستستقبل أجيالًا متعاقبة. ومنظومة الطاقة الشمسية التي تُركب في مدرسة، لا توفر الكهرباء ليوم أو شهر، وإنما تضمن استمرارية الخدمة وتخفف الأعباء التشغيلية لسنوات قادمة.
وهذا هو جوهر التحول الذي تتبناه غراس الخير؛ الانتقال من تقديم الدعم الآني إلى صناعة أثر مستدام ينعكس على المجتمع بأكمله.
رؤية تستمر… وأثر يتجدد
تواصل جمعية غراس الخير الإنسانية اليوم تنفيذ برامجها وفق رؤية متوازنة تجمع بين الاستجابة الإنسانية والتنمية المستدامة، انطلاقًا من إيمانها بأن احتياجات المجتمعات تختلف باختلاف المراحل، وأن نجاح العمل الإنساني يقاس بقدرته على مواكبة هذه المتغيرات.
فكل مشروع تنفذه الجمعية اليوم، سواء كان إغاثيًا أو تنمويًا، يمثل خطوة نحو مستقبل أكثر استقرارًا، ويجسد التزامها المستمر بخدمة الإنسان، ودعم المجتمعات، والمساهمة في بناء بيئة أكثر قدرة على التعافي والنمو.