مقدمة عن دعم المزارعين: مفتاح الاكتفاء الذاتي في سوريا

 

 

 

تعود أهمية القطاع الزراعي في سوريا إلى أدوارٍ تاريخية واقتصادية واجتماعية كثيرة، حيث كانت سوريا قبل الحرب واحدة من أهم المنتجين الزراعيين في المنطقة العربية ولاسيما القمح والشعير والفاكهة والزيتون والتين، وبالتالي هناك الملايين من السوريين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل ومعيشة. لكن الصدمات المتتالية خلال سنوات الحرب خلال الثورة السورية، الجفاف وتغير المناخ، وتقلص الدعم ونقص المدخلات. كل هذه العوامل أدّت إلى تراجع كبير في الإنتاج الزراعي وزيادة الاعتماد على الواردات والمساعدات الإنسانية. لذلك، يصبح دعم المزارعين اليوم خطوة مركزية استراتيجية نحو تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.

لماذا يعتبر دعم المزارعين استثماراً في الاستقرار والأمن الغذائي؟

أولاً، المزارعون هم خط الإنتاج الأولي للغذاء. أي تحسّن في إمكانياتهم الإنتاجية — من بذور عالية الجودة، إلى مياه ريّ موثوقة، إلى تقنيات مناخية مرنة — يترجم مباشرة إلى زيادة في المحصول المحلي وتقليل الحاجة إلى استيراد الغذاء. ثانياً، دعم المزارعين يعزّز سلاسل القيمة المحلية: حين تنتج المحاصيل بكميات وجودة أفضل، تنشط أعمال التعبئة والتسويق والمعالجات الغذائية وتزداد فرص العمل في الريف. ثالثًا، استثمار الدولة والمجتمع في المزارعين يعزّز الصمود الاقتصادي ويقلّل الضغوط على المساعدات الإنسانية طويلة الأمد. تقارير منظمات دولية ومنظمات الإغاثة تؤكد أن تعزيز صمود صغار المنتجين ضرورة عاجلة لوقف تراجع الإنتاج وحماية الأمن الغذائي. 

التحديات الرئيسية التي تواجه المزارعين السوريين

  1. نقص المياه والجفاف: تتعرض أجزاء واسعة من سوريا للجفاف المتكرر وتذبذب الأمطار، ما يضرب إنتاج الحبوب والمنتجات الموسمية ويزيد حاجة المزارعين إلى نظم ريّ مرنة.
  2. تدمّر البنية التحتية الزراعية: نتيجة النزاع، تضررت شبكات الري، المستودعات، والطرق التي تربط الحقول بالأسواق. 
  3. ندرة المدخلات الزراعية: قلة الأسمدة والبذور الجيدة والآلات الحديثة، وكذلك ارتفاع الأسعار أو صعوبات الاستيراد، تؤثر مباشرة على غلة المحاصيل. تقارير إعلامية دولية أشارت إلى أن تخفيف القيود على مدخلات الزراعة يمكن أن يساعد في استعادة الإنتاج. 
  4. ضيق الوصول للأسواق والتمويل: يواجه المزارعون صعوبة في الحصول على قروض ميسرة، وتأمين سلاسل تسويق عادلة لمحاصيلهم، ما يقلّل الحافز للاستثمار في زيادة الإنتاج. 

خطوات عملية لدعم المزارعين وتحريك عجلة الاكتفاء الذاتي

  1. توفير المدخلات الأساسية بأسعار مدعومة: تأمين بذور محسّنة، أسمدة وكيماويات زراعية آمنة بأسعار معقولة أو عبر قروض ميسرة سيؤدي إلى زيادة الغلة على المدى القصير. 
  2. إصلاح وتحديث أنظمة الري: الانتقال نحو أنظمة ريّ أكثر كفاءة (ريّ بالتنقيط، إصلاح القنوات، إدارة مستدامة للمياه) سيقلّل استهلاك المياه ويحمِي المحاصيل من آثار الجفاف.
  3. تدريب ونقل تكنولوجيا زراعية ملائمة للمناخ: نشر ممارسات الزراعة المستدامة، الزراعة المحافظة على التربة، وإدخال أصناف مقاومة للجفاف سيزيد من قدرة المزارعين على مواجهة تقلبات المناخ.
  4. تسهيل الوصول إلى التمويل والضمانات التسويقية: برامج قروض ميسّرة، تأمين محصول ضد المخاطر، وربط المزارعين باتفاقيات شراء مضمونة مع مخابز ومحطات تعبئة يساعد على استقرار الدخل ويحفّز الإنتاج.
  5. إعادة بناء سلاسل القيمة والبنية التحتية: استثمار في تخزين الحبوب، مرافق التعبئة والتبريد، وتحسين الطرق سيخفض الفاقد ويزيد فرص تصدير بعض المنتجات الزراعية.
  6. دعم الصغار والنساء والشباب في الريف: استهداف برامج الدعم لصغار المزارعين والنساء يضمن توزيعًا أكثر عدالة للعوائد ويزيد من التوظيف الريفي. برامج بناء القدرات والدعم المالي المباشر أثبتت جدوى في تعزيز صمود الأسر الريفية. 

دور الجهات الدولية والمحلية والشراكات

تنفيذ خطة فعّالة لدعم المزارعين يحتاج تنسيقًا بين الحكومة المحلية، منظمات الأمم المتحدة، المانحين، والمنظمات غير الحكومية. على سبيل المثال، منظمات مثل الفاو وبرامج الغذاء تعمل على مشاريع تعافي زراعي وبناء قدرات صغار المزارعين، بينما تحتاج السياسات الوطنية إلى تسهيل استيراد المدخلات الزراعية وتقديم حوافز إنتاجية. التقارير الأخيرة تؤكد أن المساعدة الموجهة نحو الإنتاج المحلي تعتبر استثمارًا طويل الأمد أكثر استدامة من الاعتماد الحصري على المساعدات الغذائية الطارئة. 

خاتمة: التحول من الدعم إلى الاكتفاء

دعم المزارعين ليس رفاهية أو خيارًا ثانويًا — بل هو استثمار استراتيجي للأمن الغذائي والاقتصادي في سوريا. عندما يتوافر للمزارع الأدوات، المدخلات، المعرفة، والوصول إلى الأسواق، يتحول الإنتاج المحلي إلى مصدر قادر على إطعام الأسر، تشغيل الريف، وخفض الاعتماد على الواردات. لتحقيق ذلك مطلوب إرادة سياسية، تمويل مستدام، وتعاون فعّال بين الجهات المحلية والدولية. وفي ظل التحديات الكبيرة، فإن دعم المزارعين يبقى الطريق العملي والأقصر نحو استعادة قدرة سوريا على توفير غذائها بنفسها وبناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا لقطاعها الزراعي