دور الجمعيات في بناء مجتمعات مقاومة للكوارث
مقدمة
تواجه سوريا، كباقي دول العالم، تهديدات متزايدة من الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والحرائق والفيضانات، والتي تتفاقم آثارها نتيجة ضعف البنى التحتية، وانخفاض مستوى الجاهزية، وتدهور الواقع الإنساني بفعل النزاعات المستمرة. في هذا السياق، تبرز أهمية الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني بوصفها خط الدفاع الأول في تعزيز صمود المجتمعات المحلية. فهذه الجمعيات، بفضل قربها من الناس، تمتلك قدرة فريدة على فهم الاحتياجات المحلية، وتنفيذ برامج استجابة وتدريب فعالة، تسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على التكيّف والنجاة من الكوارث.
الجمعيات كقنوات للتدريب والتوعية
أحد الأدوار الأساسية التي تلعبها الجمعيات الخيرية هو تدريب المجتمعات المحلية على الاستجابة للكوارث. فعبر برامج التدريب وورش العمل، يمكن تزويد السكان بالمعرفة الأساسية حول كيفية التصرف خلال الزلازل، الحرائق، أو الفيضانات، مما يقلل من الخسائر البشرية والمادية.
في المناطق السورية المعرضة للزلازل، مثل شمال غرب البلاد، نفذت بعض الجمعيات تدريبات دورية تتضمن محاكاة لحالات الطوارئ، وتعليمات للإخلاء الآمن، ومهارات الإسعاف الأولي. مثل هذه المبادرات تُسهم في نشر ثقافة الوقاية، وتكسر حالة الذعر التي قد تصيب السكان لحظة وقوع الكارثة، وتحل محلها استجابة واعية ومنظمة.
كما تعمل الجمعيات على نشر الوعي البيئي، وتحذير المجتمعات من مخاطر إشعال النار في الغابات، وتدريبهم على كيفية التعامل مع الحرائق المنزلية والحدائق، خصوصًا في فصول الصيف الحارة التي تزداد فيها احتمالية اندلاع الحرائق.
الإغاثة الفورية وتخفيف آثار الكوارث
حين تقع الكارثة، تكون الجمعيات الخيرية غالبًا أول من يصل إلى المناطق المتضررة. لقد أثبتت التجارب أن الاستجابة السريعة يمكن أن تقلل من حجم الخسائر وتسهم في إنقاذ الأرواح. توفر هذه الجمعيات المساعدات الغذائية، المواد الطبية، المياه النظيفة، والملابس والمأوى المؤقت.
في زلزال فبراير 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، قامت جمعيات محلية، بدعم من المغتربين والمنظمات الدولية، بإقامة مراكز إيواء، وتوزيع مستلزمات الشتاء، ومساعدة العائلات في العثور على أفرادها المفقودين. هذه التحركات السريعة لم تكن ممكنة لولا وجود شبكات تطوعية مدربة، وجهوزية لوجستية نسبية، وعلاقات محلية قوية.
كما توفر الجمعيات دعمًا نفسيًا واجتماعيًا للناجين، خاصة الأطفال، الذين قد يعانون من صدمات نفسية شديدة. هذه البرامج تساعد في تخفيف العبء النفسي، وتسريع عودة الحياة الطبيعية إلى المجتمعات المنكوبة.
بناء شبكات مجتمعية مرنة
إلى جانب التدريب والاستجابة، تعمل الجمعيات على تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع المحلي، وهي من العناصر الأساسية في بناء “المرونة المجتمعية”. يشمل ذلك دعم المبادرات المحلية، وتأسيس لجان تطوعية مجتمعية، وربط السكان بالجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بإدارة الكوارث.
هذه الشبكات تعمل كوسيط بين الناس والسلطات، وتضمن نقل المعلومات بسرعة ودقة، وتوزيع الموارد بعدالة، وتسهيل عمليات الإخلاء أو الإنقاذ. كما تساعد في تنظيم حملات تشجير للحد من انجراف التربة، أو إصلاح قنوات المياه لحماية المناطق من الفيضانات، ما يعزز البنية البيئية للمجتمعات.
التحديات أمام الجمعيات السورية
رغم كل ما سبق، تواجه الجمعيات في سوريا عقبات كبيرة تحد من قدرتها على العمل بفعالية، أبرزها:
- نقص التمويل: إذ تعتمد معظم الجمعيات على التبرعات، التي تتأثر بالأزمات الاقتصادية العالمية.
- القيود القانونية: حيث توجد عوائق تنظيمية تحد من حرية الحركة والعمل، خصوصًا في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة.
- ضعف التنسيق: أحيانًا يؤدي تداخل أدوار الجمعيات إلى إهدار الموارد أو تضارب الجهود، ما يستدعي ضرورة إنشاء غرف عمليات مشتركة.
- نقص الكوادر المدربة: فالكثير من المتطوعين يفتقرون إلى التدريب الكافي في مجالات الإسعاف والطوارئ، مما يضعف فاعلية الاستجابة.
نحو استراتيجية وطنية للمجتمع المدني
لتحقيق فاعلية أكبر في مواجهة الكوارث، لا بد من وضع استراتيجية وطنية متكاملة، تشارك فيها الجمعيات بشكل أساسي، وتقوم على:
- دمج التدريب على الكوارث ضمن الأنشطة المجتمعية والتعليمية.
- إقامة شراكات بين الجمعيات المحلية والدولية لتبادل الخبرات والموارد.
- إعداد خرائط للمخاطر والمناطق الهشة، وتحديثها دوريًا.
- تطوير بنوك معلومات المتطوعين والمؤسسات القادرة على التدخل السريع.
- إطلاق حملات وطنية للتوعية عبر الإعلام والمدارس والمساجد.
الخاتمة
في ظل التحديات البيئية والإنسانية المعقدة التي تمر بها سوريا، تصبح الجمعيات الخيرية أحد الأعمدة الأساسية في تعزيز مناعة المجتمعات أمام الكوارث. ومن خلال التدريب، الإغاثة، والتوعية، يمكن لهذه الجمعيات أن تحوّل المجتمعات من كيانات هشة إلى كيانات فاعلة وقادرة على الصمود. غير أن ذلك يتطلب دعمًا مستمرًا، وتنسيقًا على أعلى المستويات، ورؤية وطنية تشرك الجميع في مهمة البناء والحماية.