الواقع الصحي في المناطق المتضررة في سوريا

تعاني المناطق المتضررة بالحرب في سوريا من واقع صحي بالغ الصعوبة، يُعدّ من أخطر التحديات الإنسانية التي خلّفتها سنوات طويلة من الحرب المدمرة وعدم الاستقرار. فقد أدّت الحرب إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية، وأضعفت قدرة النظام الصحي على الاستجابة لاحتياجات السكان المحلين، لا سيما في المناطق الثائرة على النظام البائد أو تلك التي تعرّضت لنزوح واسع وقصف متكرر خلال سنوات الثورة السورية. ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بات القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات هشاشة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حياة ملايين المدنيين.

تدمير البنية التحتية الصحية 

كان للاستهداف المباشر وغير المباشر للمشافي والمراكز الصحية أثرٌ كارثي على الواقع الصحي. فقد خرجت العديد من المستشفيات عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي، سواء بسبب قصف النظام البائد أو نقص الكوادر والمستلزمات الطبية. كما تعرّضت شبكات المياه والكهرباء، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتشغيل المرافق الصحية، لأضرار جسيمة، ما جعل تقديم الخدمات الطبية الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.

وفي كثير من المناطق المتضررة، لا تتوافر سوى نقاط طبية بدائية أو مستوصفات صغيرة تعمل بإمكانات محدودة، وتعتمد في الغالب على دعم المنظمات الإنسانية. هذا الوضع يحدّ من القدرة على إجراء العمليات الجراحية، أو التعامل مع الحالات الطارئة والمعقّدة، ويجبر المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى خدمة صحية قد لا تكون متاحة أصلًا او حتى السفر إلى خارج البلد.

تدمير البنية التحتية الصحية

نقص الكوادر الطبية وهجرة الكفاءات

من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي في المناطق المتضررة النقص الحاد في الكوادر الطبية المؤهلة. فقد أدّت الهجرة القسرية، والخوف من الاستهداف، وتردي الأوضاع المعيشية، إلى خروج عدد كبير من الأطباء والممرضين والفنيين من البلاد أو انتقالهم إلى مناطق أكثر أماناً. هذا النقص انعكس على جودة الرعاية الصحية، حيث يُجبر العاملون المتبقون على العمل لساعات طويلة وفي ظروف ضغط نفسي ومالي وجسدي كبير.

كما أن قلة فرص التدريب والتأهيل المستمر أدّت إلى فجوة معرفية ومهنية، خاصة في التخصصات الدقيقة، مثل الجراحة المتقدمة، وطب الأطفال، والتخدير، والعناية المشددة. وبذلك، يصبح التعامل مع الحالات الحرجة تحديًا يوميًا يهدد حياة المرضى.

نقص الأدوية والمستلزمات الطبية

تعاني المناطق المتضررة من انقطاع أو شحّ كبير في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية، نتيجة ضعف سلاسل الإمداد، وارتفاع التكاليف، والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى صعوبات النقل. ويظهر هذا النقص بشكل واضح في أدوية الأمراض المزمنة، مثل السكري، وأمراض القلب، والضغط، وكذلك أدوية السرطان وغسيل الكلى.

هذا الواقع يدفع العديد من المرضى إلى إيقاف علاجهم أو تقليل الجرعات، ما يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية وارتفاع معدلات الوفيات التي كان من الممكن تجنبها. كما يضطر بعض الأهالي إلى اللجوء إلى بدائل غير آمنة أو أدوية منتهية الصلاحية، في ظل غياب الرقابة الصحية.

نقص الأدوية والمستلزمات الطبية

نقص الأدوية والمستلزمات الطبية

انتشار الأمراض والأوبئة

أدّت ظروف النزوح، والاكتظاظ السكاني في المخيمات وأماكن النزوح، وسوء خدمات المياه والصرف الصحي، إلى زيادة انتشار الأمراض السارية، مثل الإسهالات، والتهابات الجهاز التنفسي، وأمراض الجلد، إضافة إلى عودة بعض الأمراض التي كانت شبه منقرضة. كما يشكّل ضعف برامج التلقيح خطراً حقيقياً على الأطفال، ما يهدد بظهور أوبئة جديدة.

وتُعدّ التغذية غير السليمة عاملاً إضافياً في تفاقم الوضع الصحي، حيث تعاني فئات واسعة من الأطفال والنساء من سوء التغذية، ما يضعف المناعة ويزيد قابلية الإصابة بالأمراض.

الصحة النفسية… الجرح الصامت

لا يقلّ واقع الصحة النفسية سوءاً عن الصحة الجسدية في المناطق المتضررة بسوريا. فسنوات الحرب، وفقدان الأحبة، والنزوح، والخوف المستمر، خلّفت آثاراً نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال والنساء. إلا أن خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ما تزال محدودة جداً، وغالباً ما تُهمَل بسبب التركيز على الحالات الجسدية الطارئة.

غياب التوعية المجتمعية بأهمية الصحة النفسية، ونقص المختصين، يزيدان من معاناة المصابين باضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، ما يؤثر على النسيج الاجتماعي والاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.

دور المنظمات الإنسانية والتحديات المستقبلية

تلعب المنظمات الإنسانية المحلية والدولية دوراً محورياً في سدّ جزء من الفجوة الصحية، من خلال دعم المشافي، وتوفير الأدوية، وتنفيذ حملات اللقاح، وتقديم الخدمات الطبية المجانية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم يواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل، وعدم استدامة المشاريع، والقيود المفروضة على العمل الإنساني.

إن تحسين الواقع الصحي في المناطق المتضررة في سوريا يتطلب جهوداً طويلة الأمد، لا تقتصر على الاستجابة الطارئة، بل تشمل إعادة بناء البنية التحتية، وتأهيل الكوادر الطبية، وضمان وصول الخدمات الصحية بشكل عادل وآمن. فالحق في الصحة هو حق إنساني أساسي، واستعادته تمثّل خطوة جوهرية نحو تعافي المجتمع السوري وبناء مستقبل أكثر استقراراً للشعب السوري.